شهر الصيام
قال تعالي: « يا أيها الذين آمنو كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون » البقرة
وقال تعالى: « شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... » البقرة
وصيام رمضان احد اركان الاسلام وهذه منزلته في دين الاسلام وهو فرض بإجماع المسلمين ، لدلالة الكتاب والسنه علي ذلك .
قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون » لان صيام رمضان من مقتضيات الايمان ويكمل به الإيمان ولإن ترك صيام رمضان ينقص به الايمان .
و اختلاف العلماء فيما لو تركه تهاونا اوكسلا هل يكفر ام لا ؟
والصحيح انه لايكفر الإنسان بترك شيء من أركان الاسلام سوي الشهادتين.
قال تعالى: « كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم » وإنه فرض على من قبلنا ولم يذكر مثل ذلك في الصلاه ، لان الصيام فيه مشقة .
وقال تعالى : « لعلكم تتقون » اي لأجل ان تتقوا الله ، لان الصيام جُنَّة ، يقيك من المعاصي ويقيك من النار لأن من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه ،
قوله ﷺ « من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه » لان الله لم يريد ان يعذب العباد بترك ما يشتهون ويألفون ، ولكنه أراد ان يدعوا قول الزور والعمل به .
وقال تعالى « فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام الاخر » وهذا أيضا تفسير آخر
اولا : أيام قليله أياماً معدودات
ثانيه : أن من كان يشق عليه الصوم، اوسافر ، فإنه يفطر وعليه عدة من ايام أخر .
قوله تعالى « وعلى الذين يطيقونه » وهم مقيمون
.. « طعام مساكين فمن تطوع خيرا فهو خيرا له وأن تصوموا خيرا لكم » هذا في أول الأمر ، أول ما فرض الله الصوم قال للذين يطيقونه ، عليكم فدية طعام مسكين، فإن تصدقتم فهو خير لكم « وأن تصوموا خير لكم » فخيَّر الله الناس في أول الأمر بين أن يصوم الإنسان أو يطعم عن كل يوم مسكينا ثم تعيَّن الصيام في الآية التي بعدها.
« ان كنتم تعلمون » أي إن كنتم من ذوي العلم الذين يفهمون ،
ووجه ذلك ان الصوم أشق على كثير من الناس من إطعام المسكين، فلما كان أشق عُلم انه أفضل ، لإن الإنسان اذا عمل عبادة شاقة بأمر الله كان أجرها أعظم ،
لكن هذا لا يعني أن الإنسان يطلب المشقة في العبادات التي يسَّرها الله ، هذا من التنطع في الدين ،
لكن اذا كلَّفك الله بعباده وشقت عليك صار هذا أعظم ،
أما ان تطلب المشقة كما يفعل بعض الجهال في أيام الشتاء مثلا يذهب فيتوضأ بالماء البارد لان إسباغ الوضوء علي المكاره مما يرفع به الدرجات، ويمحو به الخطايا ،
ما اراد الرسول ﷺ أن الانسان اذا توضا بماء بارد في أيام الشتاء أنه أعظم اجراً ، فإذا منَّ الله عليك بالماء الساخن ، تستطيع ان تسبغ الوضوء فيه اسباغاً كاملا فهذا أفضل .
قوله تعالى « فمن كان منكم مريضا »
المرض ثلاثه اقسام
القسم الأول : مرض لا يُرجى بُرؤه، بل هو مستمر فهذا لاصيام على المريض ولكن عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا لانه من جنس الكبير العاجز عن الصوم الذي لا يرجى زوال عجزه .
القسم الثاني : المريض مرضا يضره الصوم ، ويخشى عليه ان يهلك به ، كمريض لا يستطيع الاستغناء عن الماء ، مثل : بعض أنواع المرض السكري وما يشبه ذلك ، فهذا يحرم عليه الصوم في قوله تعالى « ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما »
القسم الثالث : مرض يشق معه الصوم لكن لا ضرر فيه عليه ، والأفضل أن يفطر ولا يصوم ، ويقضي بعد ذلك ، أما المرض الذي لا يتاثر به الصيام كمرض العين اليسير وما أشبه ذلك فانه لا يجوز فيه الفطر ،
لأن الحكمه من الرخصه هي إزالة المشقة وهذا لا مشقة عليه إطلاقاً فلا يحل له الفطر ، والأصل وجوب الصوم في وقته إلا بدليل بيَّن واضح يبيح للإنسان أن يفطر ثم يقضي بعد ذلك .
السفر ثلاثه أقسام
القسم الأول : يضره الصوم ويشق عليه مشقة شديدة بسبب سفره ، مثل أن يسافر في ايام الحر والايام الطويله، ويعلم أن لو صام لتضرر به وشق عليه مشقة غير محتملة ، فهذا يكون عاصياً إذا صام .
ودليل ذلك أن النبي ﷺ شُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصوم وهم في سفر ، فدعا بماء فشربه والناس ينظرون اليه حتى لا يكون في صدورهم حرج إذا افطروا ، وكان ذلك بعد العصر
وقيل له أن بعض الناس قد صاموا ، فقال ﷺ « أولائك العصاة ، أولائك العصاة » فوصفهم بالعصيان لأنهم لم يقبلوا رخصة الله مع مشقة ذلك عليهم مشقة شديدة .
القسم الثاني : من يشق عليه مشقه ولكنها محتملة فهذا يُكره له الصوم ، وليس من البر أن يصوم ، ودليل على ذلك أن النبيﷺ كان في سفر فرأي ازدحاما ورجلاً قد ظُلل عليه فقال « ما هذا » قال صائم فقال ﷺ « ليس من البر الصيام في السفر »
القسم الثالث : من لا يتاثر بالسفر إطلاقاً ، يعني : صائم ولا يتاثر لأن النهار قصير والجو بارد ، ولا يهمه، فهذا اختلف فيه العلماء أيهما أفضل ، يفطر او يصوم او يخير ؟
والصحيح أن الأفضل أن يصوم ، لأن ذلك أشد اتباعاً لسنة النبي ﷺ ولانه أيسر على المكلف ، فإن الصيام مع الناس أيسر من القضاء، ولأنه أسرع في المبادره في إبراء الذمة، ولإنه يوافق الزمن الذي يكون فيه الصوم أفضل وهو شهر رمضان فمن اجل هذه الاربعة كان الصوم افضل.
هذا حُكم الصوم في السفر ، والسفر عام فيمن يسافر العمره أو يسافر لغير ذلك ، وفيمن سفره دائم وسفر لعارض وعلى هذا فإن أصحاب سيارات البضائع يفطرون، ولو كان سفرهم مستمراً لأن لهم وطناً يأوون إليه، فاذا فارق الرجل الوطن فهو مسافر،
فإن سأل سائل : متى يصومون ؟ قلنا : يصومون في أيام الشتاء ، أو إذا قدموا الى بلدهم ،
قال رسول الله ﷺ قال الله عز وجل « كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنَّه، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل : إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقى ربه فرح بصومه » متفق عليه
الصيام يختصه الله من بين سائر الاعمال لأنه من أعظم العبادات اطلاقا ، فإنه سر بين الانسان و ربه ، لإن الإنسان لا يُعلم إذا كان صائماً او مفطراً ، فهو مع الناس ولا يعلم به ، نيته باطنة ، فلذلك كان أعظم إخلاصاً ، فاختصه الله من بين سائر الأعمال .
قال بعض العلماء ومعناه : إذا كان الله سبحانه وتعالى يوم القيامه وكان على الانسان مظالم للعباد فإنه يؤخذ للعباد من حسناته إلا الصيام فانه لا يؤخذ منه شيء فإنه لله عز وجل وليس للانسان ، وهذا معنى جيد ، أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه ولا يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئاً ،
ومنها إن عمل ابن ادم يُزاد من حسنة إلى عشرة أمثالها إلا الصوم فإنه يُعطي أجره بغير حساب ،
يعني : أنه يضاعف أضعافا كثيرة ،
أنواع الصبر
قال أهل العلم ولإن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثه فيه :
_ صبر على طاعة الله
_ وصبر عن معصيه الله
_ وصبر على أقدار الله
أما الصبر على طاعه الله لإن الإنسان يُحمَّل نفسه على الصيام مع كراهته له احياناً .
يكرهها لمشقتها ، ولوكرهها لأن الله فرض الصوم لحبط عمله .
الصبر الثاني عن معاصي الله هذا حاصل بالصائم فإنه يصبر نفسه عن معصية الله عز وجل فيتجنب اللغو والرفث والزور وغير ذلك من محارم الله .
الصبر الثالث على أقدار الله يصيبه في أيام الصوم ، ولا سيما في الأيام الحارة من الكسل والملل والعطش مايتألم ويتأذي به، ولكنه صابر لأن ذلك في مرضاة الله .
قال تعالى « إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب »
قال رسول الله ﷺ « إن في الجنه بابا يقال له : الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامه، لا يدخل منه أحد غيره ، يقال أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد » متفق عليه
قال رسول الله ﷺ « ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً » متفق عليه
عن رسول الله ﷺ قال « من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه » متفق عليه
قال رسول الله ﷺ « إذا جاء رمضان فُتَّحت أبواب الجنة وغُلقت أبواب النار وصُفَّدت الشياطين » متفق عليه
وقال رسول الله ﷺ « صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غُمَّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين » متفق عليه
هذه ثلاثه اشياء تكون في رمضان
1_ تُفتح أبواب الجنه ترغيبا للعاملين لها بكثرة الطاعات من صلاة وصدقة وذكر وقراءة للقرآن وغير ذلك.
2_ وتغلق أبواب النيران ذلك لقلة المعاصي فيه من المؤمنين .
3_ وصُفدت الشياطين يعني المردة منهم ، كما جاء ذلك في الحديث
وهم مردة الشياطين الذين هم اشد الشياطين عداوة وعدوانا على بني آدم والتصفيد معناها : الغل يعني تُغل أيديهم حتى لا يخلصوا الى ما كان يخلصون إليه في غيره وكل هذا الذي اخبر به النبي ﷺ حق أخبر به نصحاً للامة وتحفيزاً لها على الخير وتحذيراً لها من الشر .
شرح رياض الصالحين ـ للعلامة ابن عثيمين

جزاكم الله خيرا وكل عام وانتم بخير
RépondreSupprimer