توبة صادقة

توبة صادقة
توبة صادقة


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وأعطاه العقل، وجعل له حق الخيار في الطريق الذي يريد، فإما طريق الخير، وإما طريق الشر والسوء، كما جعل الله سبحانه وتعالى باب التوبة مفتوح لجميع البشر مهما زادت ذنوبهم، حيث لا يقفل هذا الباب حتى طلوع الشمس من مغربها، أو بلوغ الروح إلى الحلقوم 

ويفرح الله بالتوبة الصادقة من عباده، ويبدل السيئات حسنات، ومن الجدير بالذكر أنّ الرسول دعانا إلى تجديد التوبة،
 فقال عليه الصلاة والسلام:  "  يا أيها الناسُ ! توبوا إلى اللهِ، فإني أتوبُ في اليومِ إليه مائةَ مرةٍ "  صحيح


قال الله تعالى:  "  قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ   "      سورة الزمر


قال ابن كثير رحمه الله : 
هذه الآية الكريمة دعوةٌ لجميع العُصاة من الكَفَرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجَع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثُرَتْ وكانت مثل زَبَد البحر .     تفسير ابن كثير 
 

شروط التوبة الصادقة

قال الإمام النووي رحمه الله، قال العلماء : 
التوبة واجبة من كل ذنْبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلَّق بحقِّ آدميٍّ

فلها ثلاثة شروط :

أحدها : أن يُقلِع عن المعصية.
والثاني : أن يندم على فِعْلِها.
والثالث : أن يعزم ألَّا يعود إليها أبدًا.

فإن فَقَدَ أحدَ الثلاثة لم تصحُّ توبتُه.
وإن كانت المعصية تتعلَّق بآدمي،
 
فشروطها أربعة : هذه الثلاثة، وأن يبْرَأ من حَقِّ صاحبِها؛ فإن كانت مالًا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كانت حدَّ قَذْفٍ ونحوه مكَّنَه منه أو طَلَبَ عَفْوَه، وإن كانت غِيبةً استحلَّه منها، 

ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضِها صحَّتْ توبتُه عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي . رياض الصالحين للنووي


 وقد أمر الله تعالى عباده بالتوبة النصوح 
فقال :   "  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ   ".      سورة التحريم


قال البغوي رحمه الله وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا :
قَالَ عُمَرُ وَأُبَيٌّ وَمُعَاذٌ : " التَّوْبَةُ النَّصُوحُ " أَنْ يَتُوبَ ثُمَّ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ، كَمَا لَا يَعُودُ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْعِ .

قَالَ الْحَسَنُ : هِيَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ نَادِمًا عَلَى مَا مَضَى؛ مُجْمِعًا عَلَى أَلَّا يَعُودَ فِيهِ

قَالَ الْكَلْبِيُّ : أَنْ يَسْتَغْفِرَ بِاللِّسَانِ ، وَيَنْدَمَ بِالْقَلْبِ ، وَيُمْسِكَ بِالْبَدَنِ.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : تَوْبَةً تَنْصَحُونَ بِهَا أَنْفُسَكُمْ.

قَالَ الْقُرَظِيُّ يَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ :
 الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ ، وَالْإِقْلَاعُ بِالْأَبْدَانِ ، وَإِضْمَارُ تَرْكِ الْعَوْدِ بِالْجَنَانِ ، وَمُهَاجَرَةُ سَيِّئِ الْإِخْوَانِ."    تفسير البغوي


الندم شرط رئيسي أو هو ركن التوبة الأعظم ، 
قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  : " النَّدَمُ تَوْبَةٌ "  رواه أحمد وصححه الألباني


قال رسول الله ﷺ  :
" ما من رجل يُذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له "
 
ثم قرأ هذه الآية : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ  "أخرجه أبو داود  والترمذي  وابن ماجة  وصححه الالباني في صحيح الجامع 

الناس في التوبة إلى الله علي أربع طبقات

الطبقة الأولى :

تائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ويتدارك ما فرَط من أمره، ولا يُحدِّث نفسَه بالعودة إلى ذنوبه، إلا الزَّلَّات التي لا ينفَكُّ عنها البَشَر في العادات، فهذه هي الاستقامة في التوبة، وصاحبها هو السابق بالخيرات، وهذه هي التوبة النَّصُوح،

الطبقة الثانية :

تائب قد سَلَكَ طريق الاستقامة في أُمَّهات الطاعات وكبائر الفواحش، إلَّا أنه لا ينفَكُّ عن ذنوب تعتريه، لا عن عَمْدٍ، ولكنَّه يُبْتلَى بها في مجاري أحواله من غير أن يُقدِّم عَزْمًا على الإقدام عليها، 
وكلما أتى شيئًا منها لامَ نفسَه، وندِم وعزَم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللَّوَّامة؛ لأنها تلُوم صاحبَها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة،
 فهذه رتبة عالية أيضًا، وإن كانت نازلةً عن الطبقة الأولى، وهي أغلَبُ أحوال التائبين؛ لأن الشَّرَّ معجون بطينة الآدمي، 
فقلَّما ينفَكُّ عنه؛ وإنما غاية سَعْيه أن يغلِبَ خيرُه شرَّه، حتى يُثقِل ميزانَه، فترجح حسناتُه،

الطبقة الثالثة :

أن يتوب العبد ويستمر على الاستقامة مدة من الزمن، ثم تغلِبُه شهوتُه في بعض الذنوب، فيقدم عليها، إلَّا أنه مع ذلك مواظبٌ على الطاعات، 
وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها والشهوة لها؛ وإنما قهرته شهوتُه، وهو يودُّ لو أقدره الله على قَمْعِها، وكفاه شرَّها ولكنه يُعِدُّ نفسَه بالتوبة بعد ذلك من الذنوب، 

وهذه هي النفس المسؤولة، وصاحبها من الذين قال الله فيهم:  " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " سورة التوبة

الطبقة الرابعة :

أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب مُنهمِكًا من غير أن يُحدِّث نفسَه بالتوبة، ومن غير أن يَتَأسَّفَ على فعله، فهذا من المصرِّين، 
وهذه النفس هي الأمَّارة بالسُّوء، ويخاف على هذا سُوء الخاتمة، فإن مات هذا على التوحيد، فإنه يُرجَى له الخلاصُ من النار، ولو بعد حين،
 ولا يستحيل أن يشملَه عمومُ العَفْوِ بسبب خفيٍّ لا يطَّلِع عليه إلَّا الله تعالى؛

المعينات على تحقيق التوبة

عبادة الله تعالى بأسمائه وصفاته، والتي يجب أن تكون بقلب خاشع يستشعر عظمته. 

ترك الذنوب محبة في الله تعالى. العلم والمعرفة بأنواع العذاب المختلفة التي شرعها الله تعالى لجميع الذنوب على اختلاف أنواعها، فأغلب الناس تقع في الذنوب نتيجة جهلها. 

استشعار العوض والخير في الدنيا والآخرة، لما يفوته بالمعصية. 

قراءة القرأن الكريم، والعمل به. الابتعاد عن رفقاء السوء، والعيش في بيئة صالحة، وذلك لعدم الرجوع إلى المعصية. 

شكر الله تعالى على نعمه دائماً وأبداً، كالصحة، والذرية الصالحة، والأمن، والمال، والطعام، وغيرها الكثير. عدم ترك الطاعات، حتى إذا ابتلي العبد ببعض المعاصي،

 كالحفاظ على الصلاة. زيارة القبور، وتذكّر الآخرة ويوم القيامة. 
الدعاء إلى الله تعالى باستمرار، والانكسار له.

علامات قبول التوبة

لا يمكن لتائبٍ أن يعلم حقيقة ما إذا كان الله سبحانه وتعالى قد غفر له ذنوبه بعد توبته أم لا، ولكن يمكن للمرء أن يجد شيئاً في عمله أو في قلبه يُشعره بذلك، كما أنه ربما يجد بعض الدّلائل التي تُشير إلى أنه مقَبول التّوبة، وأن الله قد غفر له ذنوبَه،

 ومن تلك العلامات والدلائل ما يلي :

_ أن يجد التائب حُرقةً في قلبه وألماً في نفسه على ما قام به من الذّنوب والمعاصي.

_ أن ينظر التائب إلى نفسه بعين التّقصير، ويشعر أنه مذنبٌ بحق خالقه، وأنه يجب عليه أن يتوب إلى الله، فإن لم يكن ذلك حاله كان ذلك دليلاً على عدم صدق التوبة، وعدم قبولها بالتالي.

 _ أن يبتعد التائب عن كلِّ ما يؤدّي به إلى الرجوع إلى الذنب الذي تاب منه، ويبتعد عن الأسباب المؤدية إليه والطرق المفضية إلى الوقوع به.

_ أن يُقبِل العبد التائب على ربه بأن يتقرب إليه بأبواب الطّاعات والنّوافل فضلاً عن الفرائض، ويسعى بكل جهده للبعد عن المُحرَّمات، ومما يُعين على ذلك الابتعاد عن رفاق السوء.

_ أن ينظر التائب إلى أنَّ توفيق الله له بالتّوبة نعمةٌ من نعم الله التي أنعم بها عليه، فيحافظ عليها ويتمسك بها ويشكر الله أن رزقه بها كأي نعمةٍ أخرى تستوجب الشكر من أنعم الله العديدة .
تفسير البغوي  _  تفسير ابن كثير
رياض الصالحين    مختصر منهاج القاصدين


إرسال تعليق

نشرف بتعليقاتكم

أحدث أقدم