الصبر والرضا
كما قال تعلى : ( إِنِّي نذرتُ للرَّحمنِ صوما فلن أُكلم اليوم إنسيا ) مريم
وشرعاً : هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوراح عن لطم الخدود ، وشق الجيوب، ونحو ذلك .
وقيل : هو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع بـه عـن فـعـل مـا لا يحسن، ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها .
وقال بعضهم : هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة .
وقال آخر : هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى .
وقال آخر : تجرع المرارة من غير تعبس والنفس لها قوتان : قوة إقدام وقوة ،إحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل
قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يَضُرُّه .
وقيل : الصبر شجاعة النفس ومن هنا أخذ القائل قوله : الشجاعة صبر ساعة .
والصبر والجزع ضدان كما أخبر تعالى عن أهل النار : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنَا مَا لَنَا مِن محيص ) إبراهيم
والرضا هو انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بالألم لكن الرضا يخففه بما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية . عدة الصابرين وزخيرة الشاكرين لابن القيم
فا للعبد فيما يكره درجتان : درجة الرضا ودرجة الصبر،
فالرضا فضل مندوب إليه
والصبر واجب على المؤمن حتم.
وأهل الرضا تارة يلاحظون المبتلى وخيرته لعبده في البلاء، وأنه غير مـتـهـم فـي قـضــائه،
وتارة يلاحظون عظمة المـبـتـلـي وجـلالـه وكـمـالـه، فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى لا يشعرون بالألم،
وهذا يصل إليه أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم، لملاحظتهم صدوره من حبيبهم .
والفرق بين الرضا والصبر
أن الصبر حبس النفس عن السخط مع وجود الألم وتمني زواله وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع،
والرضا يوافق الصبر في حبس النفس وكف الجوارح، ويزيد عليه عدم تمني زوال الألم، ففرح العبد بالثواب، وحـبـه الله عز وجل، وانـشـراح صدره بقضائه يجعله لا يتمنى زوال الألم .
قال شيخ الإسلام : ولم يجيء الأمر به - أي الرضا - كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم .
قال النبي : ( ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً ) ابو داود ، الترمذي
وقال : من قال حين يسمع النداء : ( رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، غفرت له ذنوبه ). مسلم ، والترمذي
فالرضا لم يوجبه الله عز وجل على خلقه، ولكن ندبهم إليه وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم، الذي هو أعظم وأكبر وأجل الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه،
بل رضا الـعـبـد من نتائج رضى الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه، ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه
ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا، ومستراح العارفين،
وحياة المحبين ونعيم العابدين، وقرة عين
المشتاقين.
نسأل الله أن يقسم لنا من الرضـا مـا يبلغنا بـه
غـايـة المنـى ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
